الرئيسية / الفعاليات العلمية / (نظريات نشأة الدولة )

(نظريات نشأة الدولة )

(نظريات نشأة الدولة )
أ.م.د. كواكب احمد الفاضلي
قسم علوم القران الكريم والتربية الاسلامية
كلية التربية – جامعة الكوفة
ان مفهوم الدولة لم يكن شأنها او معروفاً في تراث الشعوب والحضارات القديمة حتى بداية العصر الحديث ( بداية عصر الدولة القومية ) فكانت حدود الدولة خاضعة لتغيرات سريعة ومتنوعة , بفعل الحروب والهجرات والفتوحات وغيرها وهذه التغيرات الجغرافية يرافها تغير من نوع اخر وهو تغير تركيب الامة حيث تكون الامة حينذاك مؤلفة من عناصر عرقية عدة , وتكون ثقافتها مستمدة من تراث لشعوب عدة , الامر الذي جعل الحديث عن امة موحدة عرقياً واقليمياً وتاريخياً وثقافياً في غاية (الصعوبة) , بالنضر الى عصرنا الحديث الذي بلغ فيه الترابط بين الشعوب حداً لم يعرف من قبل , وهذا يعني من زاوية نظر اخرى ان تكون الدولة القديمة بكامل عناصرها ومؤسساتها لا يأخذ التكوين العصري للدولة نفسه , وان اولئك الفلاسفة الاوربيين الذين عرفوا من تراث السياسة اليونانية ( الدولة- المونية) ( وبخامة : السياسة ودستور انيفا لأرسطو والجمهورية والقانون لأفلاطون ) لم ينتبهوا الى المداليل اليونانية الخاصة ببعض مفاهيم السياسة المعاصرة وبحسب ماكفير ( وفاتهم – أي الفلاسفة – ان اللغة اليونانية افتقرت الى لفظة تعبر بها عن الدولة كما نعبر عنها اليوم , وليس لـ ( البولس ) التي تحدث عنها ارسطو في السياسات مدلول الدولة كما نفهمه اليوم , ولم يقصد ارسطو حين تحدث عن اكتفاء (البولس) الذاتي ما قصده هيجل باكتفاء الدول الذاتي([1]) .
يمكن العمل على سبيل التجسيد بأن الدولة المدنية ذات السيادة ظهرت في عام (1648م) فأن السؤال الذي يطرح نفسه هو عن الظهور المبكر للدولة على الاقل كسلطة في تنظيم اجتماعي يقول كارل ماركس ( ان الدولة لم توجد منذ الازل ولن تستمر الى الابد)  أي انها لم توجد منذ البداية ولن تستمر طول الدهر وما يهم هو الجزء الاول من مقولة ماركس والمتصلة بحقيقة ان الدولة لم توجد منذ الازل والتي تسق مع المعرفة التاريخية المتوفرة اليوم حول الدولة ويؤدي القبول بمقولة ماركس بان الدولة لم توجد منذ الازل الى البحث عن الكيفية التي نشأت بها الدولة وهناك العديد من النظريات التي تفسر نشأة الدولة ومنها :
اولاً – نظرية النشأة المقدسة  :-
ارتبطت بسيطرة الكنيسة على الدولة في العصور الوسطى وتقول النظرية ان الله تعالى خلق كل شيء في الحياة بما ذلك الدولة والحكام الذين يجب طاعتهم يحكمون باسم الالهية (ظل الله في الارض) ومن ايجابيات هذه النظرية ربطها استقرار الدولة بالدين وتأكيدها على المسؤولية الاخلاقية للحكام وعلى الاستقرار السياسي الذي ينتج عن طاعة الحكام . لكن النظرية لا يوجد لها اساس ديني واضح وتقوم على افتراضات غيبية وتدعم الحكم المطلق من خلال التأكيد على طاعة الحكام .
ثانياً- النظرية الماركسية :-
أدى التطور الاقتصادي المتمثل في ادوات الانتاج البدائية الذي يتم توظيفها في الزراعة الى ظهور التراكم الاقتصادي والملكية الفردية وتقييم العمل الذي ادى بدوره الى ظهور الطبقات وهو ما ادى الى الصراع وظهرت الدولة كأداة تمارس بها الطبقة الاقوى سيطرتها على الطبقة الاضعف .
ثالثا- نظرية التطور التاريخي :-
تطور التنظيم الانساني من العائلة الى العشيرة فالقبيلة والقرية ثم المدينة وللدولة وبعد ذلك سياتي المجتمع المدني , والدولة العالمية .
رابعاً- نظرية القوة والغلبة :-
ارتبط ظهور السلطة في التنظيمات الاجتماعية المختلفة ( العائلة , القبيلة , القرية , المدينة ) بالتفوق الجسدي والمادي وتمكن جماعة من الانتصار على جماعة اخرى وفقاً لهذه النظرية فأن الحرب هي التي أدت الى ظهور الدول ,  وتخوض الدول الحرب لتحافظ على وجودها ومن سلبيات هذه النظرية تركيزها على عامل واحد ولفتت النظرية الانتباه الى الدور الذي تلعبه القوة في نشأة الدولة واستمرارها .
خامساً- نظرية العقد الاجتماعي :-
تعود جذور نظرية العقد الاجتماعي (بفتح العين) الى ارسطو الذي اكد على الدولة تنشئ برضى المجتمع أي بقبوله .
سادساً : نظرية السيد محمد باقر الصدر (قد) :-
     للسيد الصدر نظرية حول نشأت , جاءت هه النظرية من خلال تحليله للمراحل او الادوار البشرية التي مرت بها البشرية([2])  ويخلص الى فكرة الدولة ظهرت على يد الانبياء , وقام الانبياء بدورهم في بناء الدول السليمة , التي وضع الله تعالى اسسها وقواعدها , وبقي الانبياء يواصلون دورهم العظيم في بناء الدولة الصالحة , وقد تولى عدد كبير منهم الاشراف المباشر على الدولة , كداود وسليمان ( عليهم السلام )وغيرهما , وقضى بعض الانبياء كل حياته وهو يسعى في هذا السبيل كما في حالة النبي موسى (ع) واستطاع خاتم الانبياء محمد ( صل الله عليه وسلم ) ان يتوجب جهود سلفة الطاهر بإقامة اطهر دولة في التاريخ شكلت بحق منعطفاً عظيماً في تاريخ الانسانية , وجسدت مبادئ الدولة الصالحة تجسيداً كاملاً ورائعاً ([3]) .
    فالدولة عند السيد الصدر (قدس سره) ظاهرة اجتماعية اصلية في حياة الانسان , وقد نشأت هذه الظاهرة على يد الانبياء ورسالات السماء , واتخذت صيغتها السوية ومارست دورها السليم في قيادة المجتمع الانساني وتوجيهه من خلال ما حققه الانبياء في هذا المجال من تنظيم اجتماعي قائم على اساس الحق والعدل , ويستهدف الحفاظ على وحدة البشرية وتطوير نموها في مسارها الصحيح , ويؤمن الصدر بأن الدولة ظاهرة نبوية , وهي تصعيد للعمل النبوي , بدأت في مرحلة معينة من حياة البشرية , لذا من ناحية تكوين الدولة ونشوئها تاريخاً رفض الامام الصدر نظرية القوة والغلبة , ونظرية التفويض الالهي للجبارين ونظرية العقد الاجتماعي , ونظرية الدولة من العائلة ([4]) .
ان هذا الرفض من السيد الصدر لنظرية نشأت الدولة في الفكر السياسي الغربي والقول بأن الدولة هي من صنع الانبياء (عليهم السلام) بتعليم الله تعالى , هو النتيجة التي ظهر بها السيد الصدر في نظريته التي عرفت بـ ( خلافة الانسان وشهادة الانبياء ) .
[1] ) روبرت ماكيفر , تكوين الدولة , ص439 .
[2] ) د. جاسم الشيخ زيني , الدولة في فقه محمد باقر الصدر , ص113وما بعدها , دار المتقين – بيروت , ص1 , 2009م .
[3] ) ينظر , السيد محمد باقر الصدر , الاسلام يقود الحياة , ص 181 , مجمع الثقلين العلمي , بغداد , ط2 – 2003م .
[4] ) ينظر : الصدر , الاسلام يقود الحياة . ص39 .

شاهد أيضاً

.كلية التربية في جامعة الكوفة تقيم حلقة نقاشية عن الاثر التربوي للأيمان بالغيب

كلية التربية / الاعلام … اقامت كلية التربية في جامعة الكوفة حلقة نقاشية عن الاثر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.