روحانية الخطاب البصري في التصوير الاسلامي بقلم : الدكتور عبد الكريم الدباج

روحانية الخطاب البصري في التصوير الاسلامي

  بقلم : الدكتور عبد الكريم الدباج  / كلية التربية في جامعة الكوفة                                                                 

  يكاد التصوير الاسلامي يتفرد بأسلوبه الفني للتواشج المتين بين ذهنية الفنان المسلم وبين روح العقيدة الاسلامية التي غالبا ما كانت ترسم له خطاه وتحدد منهجية عمله الفني عبر عقيدة التوحيد والتجريد ادت بالفنان الى الترفع عن الجمال المحسوس الجزئي والتحليق في فضاء الجمال الكلي المجرد ( الروحي ) وبامتثاله للخطاب الديني يجسد الفنان نموذجا للتوجه العبادي المثالي ،حيث كان يسعى من خلال احد انشطة الروح التقرب الى ساحة المطلق عبر محاولة الانفصال عن الذات والارتباط مع مفردات العالم الروحاني المفارق بلغة متعالية عن كل ما هو عرضي ومحسوس فكان دؤوبا على الابتعاد عن التجسيم وابراز كيان الاشكال في الفضاء من اجل اضعاف صلتها بكل ما هو دنيوي زائل والاهتمام بكل ما هو جوهري ازلي واعلاء كل ما هو روحي ، فكانت نتاجاته في بداياتها تدور حول المقدس ولا تنفك عنه ، حيث استشف ان الكون الفسيح ما هو الا وحدة متراصة زاخرة بالتجليات الالهية وما من كيان خلقي الا ويتجلى فيه الابداع الالهي ( الوحدة والتنوع ) ،وكانت هذه حقيقة مؤثرة في توجهاته الروحية استدل منها ان الفراغ المعادل للعدم غير موجود مطلقاً فانعكس ذلك على مسطحه التصويري الذي راح يزخر بالأشكال الطبيعية والمجردة ( الزخرفية ـ الهندسية ) وهو بأيمانه بأن الله تعالى هو المجرد وبعلمه بوحدانية وتنزهه عن صفات المخلوقين الذي لا تحيط به الاوهام وسرمديته واحاطته العلمية المطلقة بالكون  ، كانت نتاجاته تتوائم مع كل ما يؤمن به ، ويتضح ذلك جلياً في المصورات الزخرفية وخاصةً في الارابسك او الرقش العربي .

     ومن منطلق ايمانه بالنظرة الشمولية لله تعالى للكون وان الاشياء والمشاهد ترى من خلال عين الله المطلقة التي لا تحدها زاوية نظر ضيقة ، نظر الفنان المسلم الى الاشياء وفق منظور روحي فسعى جاهداً الى جمع ازمان واماكن لأحداث متعددة في مشهده التصويري فكانت صورته الفنية صورة زمكانية لا حدود فيها للزمان او المكان من خلالها لم يجد بداً من اقحام الاشكال في المشهد الواحد مستخدماً اسلوب المستويات المتراكبة التي تجسد مشاهد مختلفة وتسلسلاتها في اللوحة الفنية ، وهذا ما نلمسه في رسوم الواسطي ، ووفق ذلك كانت عينه عيناً جوالة مبصرة تخترق الحواجز والجدر لتصور الاشياء الخفية والمستورة حيث المكان المطلق وتخترق المديات لتصور ما سوف تكون عليه الاشياء حيث الزمان المطلق .  

      ومن خلال رؤيته الروحية تلك آمن ان الحدس هو الطريق الذي يستلهم من خلاله موضوعاته الفنية وان سمته تحتل مساحة واسعة في تفكيره وامكانيات التلقي في منجزه الفني ، مما حدى به الى تجريد الاشكال من اغلفتها المألوفة للعثور على جوهرها مما اتاح له حرية التعبير الفني بأسلوب ينسجم الى حد ما مع الخطاب الديني الذي يرى حرمة تصوير ذوات الارواح ، اي تجسيمها والابتعاد عن كلما يضاهي الله تعالى في خلقه ، حيث لجأ الى اغفال المنظور وتسطيح الاشكال ، وانسحب ذلك الى آلية الاشتغال على اللون حيث استخدم الفنان المسلم الالوان الاصطلاحبة لتصوير مكونات منجزه الفني .

      ونخلص بالقول ان العقيدة الاسلامية القت ظلالها على الصورة الفنية الاسلامية من خلال الافاضات الروحية على ذهنية الفنان المسلم حتى اصبح متيقناً ان منجزه الفني يقع في دائرة القبول ولا يخدش مشاعر الشريعة المقدسة بشيء .

 

Joomla Templates - by Joomlage.com