كوامن قوة المخلّص الموعود بين الذات المتعالية والذات العارفة الدكتور : عبد الكريم الدباج

كوامن قوة المخلّص الموعود بين الذات المتعالية والذات العارفة

                                                                                 

الدكتور : عبد الكريم الدباج  / كلية التربية في جامعة الكوفة                                                                                          

ان فكرة المخلّص الموعود كانت وما تزال حاضرةً في الوجدان الإنساني و متجذرةً في أفق التفكير البشري ، فالمخلّص يعني الخير والاستقرار والسعادة وهي قائمة في تواصل تاريخي تتواصى بها الأمم  وتتعاهدها الأديان فما شهدته المجتمعات البشرية عبر العصور من تعسف وجور فضلا عن الصراع الذي تدور رحاه منذ الأزل بين قطبي الخير والشر أدى إلى  تبلور الفكرة في أذهان الناس خاصة بعد التبليغ الذي كان يجري على السنة الأنبياء عليهم السلام بان أمره من المحتوم وانه قادم لا محال ليمحو من على الأرض كل ظلم تمقته السماء بل أن ديمومة الصراع كانت تحتم وجود المخلّص والمنقذ وفق النواميس الإلهية ليأخذ على عاتقة تطبيق البرنامج الإصلاحي الإلهي الذي يكفل تحقيق العدل في عموم الأرض .

وقد عهد إلى  الأنبياء والصالحين مسؤولية تنفيذ ذلك ، والتصدي لحالة التمرد الذي كان يفرضه الجائرون ضد تطبيقه والسعي إلى  معالجة الانحراف عن منهجه القويم بإعادة الناس إلى  جادة الصواب (( وجعلناهم أئمة" يهدون بأمرنا وأوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين )) الانبياء : 73 .  وهي حركة تاريخية ديناميكية تتجدد مع تجدد الحياة وتوالد الحضارات وانبثاق القوى فقوى الشر تستقطب ادعيائها عبر الأساليب المادية لتهيمن وتتسلط وتفسد في الأرض فيما تتصدى لها قوى الخير وتجاهد للحيلولة دون وصولها إلى  مآربها .

وتبقى معادلة الصراع قائمة مع الحياة ، وللمشيئة الإلهية ، ولا شك ، اليد الطولى في تغيير المعادلة لصالح المؤمنين تعزيزاً لهم ونصرةً ، فكلما قويت شوكة الظلم واستطار أمره يثب الصالحون للتصدي له وهدم صرحه المتطاول وقبره في قمم التاريخ ، وما ينفك يجد من يبعثه من قبرته ليناطح قيم السماء من جديد ويسحق بغوائل شروره ابتسامة الأمل المرتسمة على شفاه الآمنين وتنشر البؤس والفقر والجهل والموت في المجتمع ، وهكذا هو حال المجتمع البشري منذ نشأته ، فكلما حمى الوطيس تقلد الصالحون سيوفهم وهبوا لنصرة الحق وإنقاذ النفس البشرية من براثن المفسدين ونشر راية السلام في الأفاق .

وأبت المشيئة الإلهية إلا أن تجعل نهايةً لجور الظالمين تصديقاً للوعد الذي قطعته للأبرار (( ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكر انّ الأرض يرثٌها عبادي الصالحون ))  الانبياء : اية :105 ، حينها لا ظلم ولا ظالمين، ولا عود ة لهم في الأرض ولا حياة ، وليتيقن الخلق انه مهما بلغت سطوة الظالمين فلا تكن الكلمة العليا الا لله تعالى  إثباتاً للقدرة ويجعل النصر لعباده الصالحين .

وان كان الصالحون يتصدرون مقارعة الظلم كل من موقعه ومحيطه ، يتصدر اليوم سليل الصالحين تنفيذ هذه المهام والجسام في عموم الأرض ، فالأرض جميعاً ساحة جهاده المقدس ، ومما لاشك فيه     أن تتسم شخصية المخلّص الموعود بالمثالية وما تنضوي علية من مثل عليا وقيم سامية ومكارم أخلاق وسمات مميزه يتصدرها الإيمان المطلق ورجحان الفعل وسدادة الرأي وقوة الإرادة وثبات العزيمة ورباطة الجأش وطهارة المولد ، واي بر صالح يحظى بهذا التشريف سوى ان يكون سليل محمد وال محمد الذين دانت لهم الخلائق بالفضل والإيمان .

 لقد قدر لهذا المخلّص الموعود ان يخبر الحياة بتناقضاتها ومعتركاتها ، وان يكون في تماس مع ما يجري على ساحتها الواسعة ويواكب أحداثها وما تفرزه من صراعات واحتدام وتطور وانتكاسات ، وان يحيط علماً بأحوال الشعوب والحضارات ومراكز القوى ومصادرها وأسباب قوتها وضعفها ومناهج سياساتها وتوجهاتها وما تتركه من تأثيرات ايجابية او سلبية على المجتمع البشري ، ومصداقيتها في الإصلاح ، ومديات ارتباطها بقيم السماء وتعاليمها ، ما يعنى ذلك حضور المخلّص الموعود ومسرح الأحداث ومشاهدها  على امتدادها التاريخي .

ان ذلك مما يعد من موجبات وضرورات الإعداد الإلهي للمخلص الموعود لقيادة المجتمع العالمي ، ولا شك ان العناية الإلهية كفيله بالسبل الموجبة لحفظ حياته وإطالة عمره إلى  حين تهيؤ الظروف الموضوعية لإقامة دولته المباركة ، دولة العدل الإلهي ، ويمكن ان تكون تناقضات الحياة وإخفاقاتها وسلبياتها أحدى الأسباب الرئيسة لخلق تلك الظروف لما تخلفه من محنِ وأزمات قاسية تشل الحركة الانفعالية للحياة ، خاصة فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي تثقل في اخر المطاف على كاهل المجتمع البشري ، لا يجد في حينها من ملاذ الا الملاذ الروحي وطرق أبواب المقدس والتضرع اليه من اجل الخلاص .

ولعل التراكم الخبراتي و المعلوماتي يكون احد الأسباب المتاحة للمخلص الموعود لمحاججة المعاندين وأرباب الحكم الجاحدين لبرنامجه الإصلاحي عن سوء إداراتهم وإخفاقاتهم وتقاعسهم عن إقامة حدود الله في الأرض وفي تغييب العدل وامتهان الإنسان وتدمير كيان المجتمع ، وتعرية المتسترين بالدين وفضح تخرصاتهم ومرآتهم وكشف دسائسهم .

ورب سائل يسأل : انى لمثل هذا القادم من البعيد ان يسود العالم وان تكون له الريادة في الأرض فيكون حاكمهاً المطلق والمتصرف بشؤنها ؟ وما هي القوه التي تقف ورائه فتمكنه من بسط نفوذه فيها وتطبيق برنامجه الاصلاحي في ظل كمِ  هائل ، من المفاجئات تتردد بين اطلالته المذهلة على الخلائق وبين حالة التهاوي التي يمر بها العالم نتيجة لاضطراب احواله وعدم استقراره التي تنخر قواه وتنذر بانهياره  في ظل تداعيات يسحق فيها الضعيف . ولا يخفى على كل لب انه ليس من المنطق ان تدخر المشيئة الالهية من ياخذ على عاتقه مسئولية اصلاح المجتمع البشري وارساء قواعد العدل فيه ومسؤوليات آخر جسام يتقرر فيها مصير العالم دون ان تكفل له السبل والمؤهلات لتحقيق مثل هذه الاهداف الخطيرة .

اذن ليس غريباً ان تكون كوامن قوة المخلّص الموعود واسبابها مستمده من فيوضات القوة الإلهية ذاتها ،فمهامه شاقه وعصيبة ، غير ان هذا لا يعني ان الية التغيير تكون سماوية على الاطلاق ، فلا بد ان تكون انطلاقة التغيير تبدا من المخلّص نفسه كما جرت العادة في مسيرة لأنبياء والصالحين ، اذ بدأت مسيراتهم الجهادية بتكوين قواعد شعبية لدعم منهجهم الاصلاحي .

وفي الوقت الذي تؤكد فيه الاخبار الواردة عن اهل بيت العصمة عليهم السلام بان الله تعالى  يهيئ للمخلص الموعود النخبة من عباده الصالحين ممن يعرفون بأمره حق معرفته  ليكونوا سنده واركان قوته ودعائم دولته ، الا ان ذلك لا يعني عدم سعي المخلّص إلى  توسيع قاعدته الشعبية من الانصار والموالين لتكون اشمل واوسع يعتمدها فيما بعد للانطلاق بمسيرته الجهادية  لتحرير العالم من ربقة الظلم والاستعباد ، خاصه وان الاحوال المتردية هي التي سوف تخلق حالة الالتفاف حول المخلّص الذي يأتي ليمنح النفس البشرية الراحة والاطمئنان .

ان الامر الذي لا لبس فيه ، هو ان البرنامج الاصلاحي الالهي هو قائم منذ قيام الخلق وبعث الانبياء عليهم السلام  ، وان مضامينه كانت تتسع مع اتساع حجم المجتمع البشري ومع تطوره ومع تعاقب بعثات الانبياء ، وهي كامنه في كتبهم وصحفهم ، وقد بلغ كمالها في بعثة رسول الانسانية محمد صلى الله علية واله وسلم ، وبمعنى اخر ان رسالة المخلّص الاصلاحية تسير وفق خطى من سبقه من المصلحين .

ان ما نؤكده هو ان انطلاقه التغيير تبدا في خطواتها الاولى من المصلح نفسه ، فهو بخطوته الاولى يتخذ من النصح والارشاد اساسا لعملية التغيير ، عملا بالآية الكريمة : (( ادع إلى  سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي احسن )) النحل : ايه : 125  وهو لا يأل جهداً من تقديم الطروحات والبراهين والأدلة العقلية والنقلية  لأقناع المعاندين ، مما يتيح له ذلك توسيع دائرة التأييد والقبول لحركته الاصلاحية ، غير ان النصح لا يمكن ان يكون الاسلوب الوحيد الذي تقتصر عليه رسالته  في التغيير ، فهناك الكثير من القوى المناوئة التي تسعى إلى  التصدي له ومجابهته بكل ما تملكه من قوةً واقتدار ، وهنا يكون المخلّص الموعود مجبراً على استخدام القوة لردع الاعداء ومجاهدتهم وكسر شوكة كل من يسعى إلى  تعطيل مسيرة البرنامج الاصلاحي الالهي ، وما من خيار امامه الا اجتثاث هؤلاء من منطلق الآية الكريمة :(( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم واخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم )) الانفال : ايه : 60  وحركته هذه لا تتصدى للطغيان فحسب بل والحفاظ على روح الاسلام وصيانة شريعته ومقدساته ، فيعيد اليه هيبته ونضارته بعد سعي الظالمين والمنافقين إلى  طمس معالمه وبصيانه الاسلام يصان دين الله العزيز بما ينضوي عليه من اديان كونه الامتداد الطبيعي لها ، لذا فمن مهام المخلّص الموعود توحيد الخطاب الديني فلا مكان من بعد من بعد للاجتهادات والادعاءات والآراء المتطرفة والاحتمالات التعددية فما ينطق به المخلص الموعود هو القول الفصل .

لا تقتصر حركة المخلّص الموعود على الاصلاح الديني فحسب ، بل ان من اولويات اهدافه النبيلة تحقيق العدالة الاجتماعية والتكافؤ بين افراد البشر ، وان في تحقيق ذلك يكون قد اضعف الارتباط العنيف بين الانسان وبين الشهوات وفي صدارتها المال ، يصل من خلاله الانسان إلى  مستوى الاستقرار النفسي والاجتماعي ويعيش في ظله بأجواء مفعمة بالسعادة الروحية

           ولا شك ان العناية الإلهية ترافق هذه المسيرة الجهادية التي تقود العالم نحو الدولة المثالية وتباركها في مساعيها وتدعم نهضتها ، فمن موجبات قيام هذه الدولة ان تكون دوله قوية راسخة ، مما يدعونا إلى  التسليم بان الارادة الإلهية تسدد خطى المخلّص الموعود وتمد له يد القدرة لتدبير الامور والحكم واتخاذ القرارات والاطلاع على حيثيات برنامجه الاصلاحي واولويات تطبيقه في المجتمع العالمي المنشود ، وتسخر له الاسباب الموجبة للنصر والتمكين ، وهي سنة الهية جارية لتعزيز مواقف الانبياء والصالحين لنصرة الحق واعلاء كلمة الله وتثبيتاً لدينه ، وهو امر يهون عند الله تعالى  امام تحقيق ارادته في هداية الناس واقامة العدل .

 

 

   

Joomla Templates - by Joomlage.com