الحسين (ع) بين المصلحين ومدعي الاصلاح بقلم الدكتور الاستاذ المساعد فارس السلطاني

الحسين (ع) بين المصلحين ومدعي الاصلاح

بقلم الدكتور الاستاذ المساعد فارس السلطاني / كلية التربية في جامعة الكوفة                                                                                   

منذ تلك اللحظة التي واجه فيها الحسين (ع) طاغوت عصره بعدم الاستجابة للبيعة فقال قولته المشهورة (مثلي لا يبايع مثله )، هتف الاصلاح وراء الحسين (ع) ملبيا امام الزمن ان بإمكاننا ان نقف في صف المعارضة والمقاومة، واحتمى كل مجاهدٍ الى فكره ولاذ كل ثائر الى خيمته مهما كانت النتائج والتضحيات .

ان قراءة سريعة للأحداث التي واكبت مسيرة الحسين تعطينا تصورات مهمة عن نوع الحركة التي قادها ابو الشهداء (ع) وهو يودع جده رسول الله (ص) تاركاً المدينة التي لم يرد لها ان تعيش حدث مقتله لئِلا تنتهك حرمتها وتقع القتلى، ويبلى اهل المدينة وهم وصية رسول الله (ص) ، وحين استقر في مكة وبقي فيها اكثر من شهرين والناس تغلي على بني امية ، ولكنها لا تريد للحسين ان يثور، ويعود خليفة لمكان الضغون التي تغلي في النفوس على ابيه علي (ع) لقتله رؤوس الكفر وأئمة الضلال من قريش .

ولأنها رسالة الإباء والاصلاح ، لم يرضى ان يبقى في مكة ، ولا ان يسير باليمن وبها شيعة لأبيه ، علم ان بذرة التغيير ستكون في العراق حتى وان لم تكن الكوفة هي المقر ، الإ ان العراق كله (كوفة ) للحسين (ع) وهي قراءة عميقة لتاريخ الحضارات التي قامت في العراق ، على غير ما عرف في بلاد الحجاز واليمن ، فضلا عن وجود المؤهلات التي يحملها اهل العراق من الصبر على الجلاء والتوطن على الصعاب ،ان الاثر الذي تركه الحسين على الرغم من نهاية المعركة بقتله وحمل راسه ونسائه سبايا وقد طافوا بهن في البلدان ، وحجم الرزية التي ابكت اهل البيت (ع) والمؤمنين واحزنتهم ، على الرغم من كل ذلك لم يبق الحسين (ع) صورة حزينة ، ومشروع بكاء عند اهل البيت واصحابهم ، انما كان حجة على كل ثائر ، وعزيمة في كل مصلح ، فحين يحاصر (مصعب بن الزبير ) يدُعى الى ان يكتب له امان من (عبد الملك بن مروان ) فقال : (ما ترك الحسين لابن حرة عذرا ) ، فمضى مقتولا متأسيا بالحسين .

وحين يخطط الثوار على الظالمين فانهم لا يهتفون الإ بنداء (يالثارات الحسين ) ، فكان ان ادخل الرعب في قلوب الظالمين الذين ما خافوا من صوتٍ خوفهم من الحسين ، باسمه وقبره وزيارته وتاريخ حياته وشهادته التي حوربت على مر الزمن

وهذا الخوف من الحسين (ع) وما يتصل به ظل مصاحبا لكل ظالم وفاسد على مر التاريخ لاسيما في العراق مهد الحضارات ومنطلق التغيير ، فكان الذين حملوا راية الثورة يقضٌون مضاجع الظالمين ثم تكون الثورة ونهايتها مهما كانت . 

لقد ترك هؤلاء المقاومون الثوار بصماتهم على تاريخ العراق ومفاصله المهمة عبر الزمن ، فكان هناك تصادم بين مبادئ الثورة والواقع وبدأ المصلحون يتناسون ما قرروه وما عزموا عليه من ثورة ومن امثلة ذلك ما فعله ( ابو مسلم الخراساني ) ودعوة الناس الى ارجاع الامر الى (اهل البيت) والانتقام من اعداء الحسين (ع) ولكنهم سرعان ما تركوا ذلك ، وتركوا اعدائهم الحقيقيين ، وصار عدوهم الاول الحسين (ع) وما يتصل به .

ان تنازل الثائرين عن مبادئهم امر يلفت الانظار الى ان هؤلاء لم يكونوا مصلحين بل مدعين للإصلاح وداعين الى انفسهم حين وصلوا الى المنصب والاموال والدنيا ، نسوا او تناسوا ما كان ينبغي لهم فكانوا بحق مصداق لقوله تعالى ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الدٌ الخصام ، واذا تولى سعى‘ في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ).

Joomla Templates - by Joomlage.com