لحظة من أللاموضوعية / بقلم أ.م . عباس نوح سليمان الموسوي

لحظة من أللاموضوعية  

  إعداد أ.م .  عباس نوح سليمان الموسوي        

جامعة الكوفة/ جريدة جامعتنا / جامعة الكوفة العدد 39   / 2011 ت1

مجلة النجف الأشرف / مؤسسة المرتضى للثقافة والإرشاد. العدد 113/ 2014   ربيع الأول

        ذات يوم في ميدان عملي في مدينة النور , خط قلمي حرفاً لا ينسجم مع الواقع , حلمت في ليلها أني دخلت مدينة سوداء , فنظرتُ إلى سكانها , وجدتهم ثلاثة أصناف , فلاسفة وعلماء وساسة إداريين , فلاسفة لم أجد في مدينتي أروع منهم في التنظير , علماء يعلمون حقائقَ مسطرةً في دساتيرنا , وساسة تخط أقلامهم ما ينفع ويسعد لم أجد في مدينتي مثلها من امتيازات . فدنوت منهم , وخاطبتهم لِمَ لا تخرجون إلى النور ؟  أجابني فريق من كل فئة , إن النور يحرقنا , فعجبت من ذلك , فأقتربتُ منهم أكثر فأكثر . بدأت بالفلاسفة , فوجدتهم عامة الناس كل الناس , عاشرتهم يوماً وليلة , فأمسيت منظراً أروع منهم , وقبل الرقود راجعت نفسي فوجدت أني جُبِنت وغُبنت وقُهرتُ وظُلمتُ وحَزِنتُ وآسيت وصنعتُ مستبدين , وغدرت ويئست من النور , وإن استيقظتُ في نفس الدرب مضيت . وفي اليوم الثاني خالطت العلماء , فأصبحت أبرع منهم في تعليم الأهل والأصدقاء , والأبناء والأحفاد , والأطفال والشباب , فقلت أني نجحت , وقبل الرقود راجعت نفسي فوجدت أني أُنْحزتُ فأنحزت , قُهرت فَقَهرت , أُقصيتْ فأقصيتُ , فأيقنت بعد حين أني صنعت جبارين غدارين ماديين محتالين , فنظرت إلى نفسي فوجدتها لن تصل إلى النور وإن عاشت حقبا , وليس لها إلا أن تمضي ما تبقى حسرا ,

        وصدفةً أو مكراً ارتقيت إلى صنف الساسة الإداريين , فوجدت البشرى في وجوه أصحاب بصائص النور من الناس من كل الأصناف , فقلت سأستعين بهم إن تبوأت مكاناً عليا , لِيَحْيوا بما عندهم من بصائص النور في نفوس اليائسين والحاسرين .

        فمضيتُ ومضيتُ ومضيتْ , وقبل الرقود نظرت إلى نفسي متأملاً ما صنعت فوجدت أني جَزَعْتُ إلى أن تبوأت , فأجْزَعْتُ من كان لي عونا , ومن مضى على هوى ركبي رفعته وأسعدته وإن كان من اليائسين والحاسرين , فتأملت أكثر فأكثر وأكثر , وجدت أني استوردت بصائص نورٍ على هيئة مدنٍ نقيمها كنت فيه للأغنياء أبا عطوفا وللفقراء جباراً عنيدا . فشعرت أن نفسي قد ابتعدت عن النور أحقابا .

        وفجأة جاءني هاجس أني احلم , فقلت يا الله يا الله , متى نفخة الصور فأستيقظ , وأذهب إلى عملي وأُعَدِل الحرفََ . فهذه هي حياة من أصبح في موقف غير موضوعي , فما حال من عاش دهره مجردا من الموضوعية .    

Joomla Templates - by Joomlage.com