الخطاب البصري الجمالي بين تشظي الشكل وغياب المعنى في ملصقات التعبيرية التجريدية بقلم : د. أحمد عبيد كاظم جامعة الكوفة / كلية التربية

الخطاب البصري الجمالي

بين تشظي الشكل وغياب المعنى في ملصقات التعبيرية التجريدية

 

د. أحمد عبيد كاظم

جامعة الكوفة / كلية التربية

       

شهد المجتمع الأوربي بعد الحرب العالمية الثانية انحساراً كبيراً في مجال الفنون و ركود في مجال إنتاج اللوحات الفنية وفي فروع الثقافة والآداب الأخرى. لتشرق شمس جديدة من أقصى العالم الجديد, وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية وعاصمتها الفنية نيويورك والتي أصبحت موطن فن ما بعد الحداثة, واختيار مدينة نيويورك كان لأسباب عديدة منها :

1-اختيار موطن حيادي بجغرافية حيادية بعيدة عن ويلات الحرب والدمار.

2-يوجد فيها قاعات ومتاحف مزدحمة بالزوار والوسطاء الأذكياء ومقتني اللوحات من أصحاب رؤوس الأموال والأغنياء.

3-نزوح أغلب فناني أوربا إلى أمريكا ومدينة نيويورك تحديداً .

 

ويمكن تحديد خصائص وسمات ملصقات التعبيرية التجريدية بما يلي:

1-التعبير بشكل تجريدي عن اللاتشخيص واللامعنى, وأحياناً الإيحاء بذلك.

2-ترسيخ عدمية المعنى واللاغائية من خلال أسلوبية تنطلق منها رؤية ذاتية مصدرها اللاوعي تميل الى أنتاج أعمال فنية تمتاز باللعب الحر Free play)).

3-تفكيك بنية العمل الفني من خلال غياب الشكل والموضوع وتدهور المعنى مما ينتج عملاً بدون عمق يمتلك دوال متناثرة.

4-اعتماد أسلوب اللصق الكولاج لمواد وخامات عديدة مبتذلة ومهمشة وبشكل مفرط,مثل الأكياس والأقمشة والأخشاب ولفائف بلاستيكية محروقة ومذابة وضمادات صحية حتى بعض أنواع الأسلحة القديمة وشظايا المخلفات الحربية,بما يعكس البيئة المحيطة التي خلقتها الحرب العالمية الثانية .

5-التلقائية والعفوية في رش الطلاء وسكب وصب الأصباغ, وتسيل الألوان وحكها وقشطها وتنقيطها وطباعتها.

6-الأخذ بتقنيات العلم الحديث في أنتاج الأعمال الفنية, كاستخدام المذيبات الكيماوية أو المصادر الحرارية أو غازات معينة للحصول على تجاعيد أو تضاريس أو تشكيلات جديدة,بل دخان بعض الغازات كان كفيلاً في أعطاء اللون الذي يرغب الفنان بالحصول عليه.

7-غياب مركز العمل الفني وفر للفنان حرية كافية لكي يعبر جمالياً عن دوافع نفسية ذاتية تكمن في العقل الباطني لشخصية الفنان نفسه متحللاً من رقابة العقل منطلق من مرجعيات ذاتية وضرورات داخلية .

فالتعبيرية التجريدية أسست لميتافيزيقيا جديدة للشكل,على أساس أن فقدان الشكل يؤدي إلى تساقط المعاني إلى حيث اللا معنى, أي بما يتيح للشكل تشظي متناهي إلى ما وراءه بما يثيره من تعددية في المعاني إلى حد عدم حضور معنى محدد في الخطاب البصري . فالفنان كان يعمل بحرية تفوق التصور, إذ يسكب الألوان ويقطرها دون اكتراث لما سيؤول إليه العمل الفني, ويدع للصدفة الدور الأكبر في أخذ مجراها من أجل أخراج العمل الفني بصورته النهائية . وهنا نلاحظ ظاهرة في المفهوم الفضائي الفني فالمشهد اللوني فقد ما يعرف بالمركزية وهي نقطة جذب البصر,إذ تعددت المراكز وتوزعت على مختلف جوانب العمل الفني,وشكلت ما يسمى بالفضاء المتعدد البؤر المركزية . ولعل أهم ما يميز بعض أعمال التعبيرية التجريدية هو البقع (space figure  poly focal ) اللونية, فاللون في حد ذاته يمتلك طاقة جمالية من حيث التناغم والتباين والانسجام في بناء العمل الفني التعبيري التجريدي يكاد يقترب مما تحدثه الأنغام الموسيقية .

        وفي دراسة تحليلية لملصق الفنان نيكولاس ترو كيلر عنوان الملصق  مهرجان الجاز عام   1990 في الولايات المتحدة الأمريكية بتقنية طباعة بالشاشة الحريرية والعائد الى  مؤسسة ماساتشوستس للمعارض شكل رقم (2) جاء الملصق بتقنية رسم تجريدي, ذا محتوى فكري رافضاً لأي بنى ايدولوجية أو سلطة مركزية تحد من حرية التعبير بعيداً عن المعايير الجمالية الكلاسيكية وهو اقرب الى خطاب اللاوعي من خلال التلقائية والعفوية الذي تحكمها اللذة والإثارة فالأشكال التجريدية الخطية التي أنتجها المصمم نيكولاس تتعاقب وتتكرر بدون أدنى حذر أو حساب لبنية مسبقة, فالعدمية لا تشترط أي مشروعية لقيم أو تقاليد فنية أو جمالية, بل البحث عن قيمة جديدة لماهية التجريد الذي يجعلها أكثر تشظياً وأوسع فهماً في الاتكال على توظيف الخطوط الهندسية المنحنية الملونة بين الرؤية المتنوعة للإظهار التصميمي وقيم التعبير عن الفعل التقني لمعالجات للنص البصري للإيجاد مديات غير محددة في التنوع والتغير في اللون والاتجاه والملمس والقيمة في الصفات التعبيرية والمظهرية,فالقيم اللونية الفاتحة والغامقة المتباينة تجذب المتلقي, ولعل الباحث يجد في التكوين الإنشائي تغلغل فكرة اللامعقول العدمية,وعد الوجود عبث لا من حيث انه وجود,بل من حيث علاقة مكوناته مع بعضها, إن كل شيء في الوجود معقول ولكن علاقة الأشياء مع بعضها غير معقولة, فحركة الخطوط وألوانها وعدم انتظامها دلالة على نسبية الزمان والمكان فهي تتحرك في اللا منطق وتسيرها وتحركها قوى غير عاقلة, فاللاوعي والحدس يحركان المقاربة الصورية والمادية للعناصر التجريدية الخطية في الفضاء في لا مبالاة قصديه وانفعالية محفزة للحركة التي لا تتصف بقواعد تحد هذه الحرية,بل هي حركة مستمرة تبعث المتعة وتبشر بعدم الاستقرار والثبات, فالنص (الملصق) يحمل سمة التحرر والانفعالات من مقيدات القراءة ومرجعياتها وخروجها عن المألوف الحسي والعقلي,نحو تعددية القراءة والتفسير, ولعل انهيار الحدود بين الثقافة النخبوية والشعبية واضحاً تماماً في تعبير تلقائي أقرب الى الاتجاه الدادائي, فالعناصر الخطية التجريدية مكتفية بذاتها وبتحولاتها الداخلية في تغريبه ورفضه للواقع, والتفكيك والتعددية لنموذج عازفي الجاز تتمظهر من خلال التكرار في الخط واللون والاتجاه وتعدد المراكز والانتشار, فقد تم تقويض الأنساق العقلية ورفض المنظور والاختزال والتأكيد على المصادفة والتلقائية في التعبير, ويظهر المنجز التصميمي للملصق من خلال الانتقال من الكلي إلى الجزئي كنوع من التضحية بالحقائق الكلية التي يمكن تمثيلها في الأشكال الخالصة هنا العلاقات الخطية لا تحمل أي بعداً ايقونياً يشترط تطابق الدال مع المدلول وكما تظهر ملامح التحولات الجمالية نحو النسبية في اللاشكل و اللاحقيقة واللاجمال إذ إن غياب التشخيص لشكل محدد أو تشبيهي يعلن موت الشكل وإعلان اللا شكل , وعدم التسليم بالأحكام الواقعية ولا يقبل أحكاما قيمية , كما لا يمكن نكران النفعية والتداولية من خلال الدهشة وإثارة المتلقي والتواصل معه في ملصق يحقق الدعاية لمهرجان موسيقى الجاز وضرورة سرعة انجازه وانتشاره في الأوساط المهتمة, ضمن أسلوب غير مألوف يتماشى مع الوعي الاجتماعي البعيد عن الحقائق الثابتة موضع الشك فالتجزئة وترك التقاليد المألوفة هو وسيلة لكسر القراءات المحلية والتقاليد المألوفة للخروج بنتائج رمزية خيالية للتعبير عن اللا مرئي كالفرح والسعادة والمرح التي تبعثها نشوة الموسيقى,كمضمون سيكولوجي ذو دلالات عاطفية في تحقيق غرضه .

  

Joomla Templates - by Joomlage.com