الرئيسية / الفعاليات العلمية / مقالة : سهام الجحود

مقالة : سهام الجحود

مقالة : سهام الجحود
د. إيمان مسلم الجابري

قسم علوم القران الكريم والتربية الاسلامية

كلية التربية

أقول ، وأعلم أن مقالتي لن تضيف الجديد لو أشيد باللغة العربية ، أو أتغزل بها وأبدي بها التمجيد والمدح . لكنني سأنشرعلى الملأ اعترافي بالتقصير في البحث والكشف عن أسرارها وأنا الباحثة المتخصصة لأنني وجدت سرها في القرآن الكريم فكل ما عدا ذلك من البحث والدراسة ، إنما هو لخدمة السر المكنون في قرآنها . وحالتي هذه حالة الكثيرين من أبنائها والمتخصصين  ، إلا من رحم ربي .
فمن يريد معرفة أسرارها ليدرسها في موضعها الذي اختاره الله لها وهو كتابه المجيد . ثم يتمرس بعدها بالشعر والأدب والنقد فيمتلك أدوات القوة وأسرار الإبداع .  ففي القرآن الكريم نجد عجائب التوظيف الإلهي للتراكيب . من ذلك : قوله تعالى : (( ماقدروا الله حق قدره )) في سورة الأنعام – 91    .
وحين نجد في التفكر والتنقيب نجد أن هناك تعبيرا يتعلق بالآية – 91  بالإمكان أن نسميه  نظيرا دلاليا يتكامل معه بالمعنى وهو قوله :  (( وهو القاهر فوق عباده ))  .الأنعام – 18   فحين يصفهم بعدم معرفة الله حق معرفته وتقديره . يصف نفسه سبحانه أنه القاهر فوقهم . هذا تفنن القرآن بلغته وبتعبيراته التي  تجعل الفكر يقظا حيا يربط الحقائق بعضها بالبعض الآخر . وهذه هي لغة القرآن وعظمتها .
   وأقول : نعشقها ؟! نعم . وتجاوزنا العشق والهيام فيها، لكن ماينفع المحتضر هيامنا به  وتغزلنا بمحاسنه.
   العربية اليوم ترمى بالسهام من كل جانب ولاتكاد تسلم . تذكرني بحصان عنترة العبسي في معلقته  إذ يصف أوجاعه في ساحة المعركة وهو يتفاخربشجاعته وحصانه الصابر المحتسب وفاءله ؛  يتألم  .
يقول الشاعر :
 يدعون عنترَوالرماح كأنها … أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره … ولبانه حتى تسربل بالدم
فازوّر من وقع القنا بلبانه … وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لوكان يدري ما المحاورة اشتكى …ولكان لو علم الكلام مكلمي .
والأشطان هي حبال البئر، ولبانه ، أي مقدمة الفرس وصدره ، والقنا  أي السهام
هل هناك ألم أعظم من ذلك ؟!
عربيتنا اليوم هي المهرة التي تحتضر في ساحة الموت . ونحن نمتطيها وندعي الانتصار .
لكن الشاعرعنترة  يستشعر ألم حصانه وهو يتلقى السهام بصدره ويثبت حفاظا على فارسه .
وقد وصفه بتلك الصورة المؤلمة بقوله . ازوّر من وقع القنا بلبانه … وشكا إلي بعبرة وتحمحم
 وقوله : لوكان يدري ما المحاورة اشتكى …ولكان لو علم الكلام مكلمي .
فباعث الوصف لدى الشاعر هو إحساسه بما يتعرض له حصانه . فمن لا يدري كيف يتعلق الفارس العربي بفرسه في ساعات الرخاء فكيف بهذه  اللحظات العسيرة وهذه التضحية التي يلمسها الشاعر.
أما نحن فلا نكاد نتفقد هذه الأم الحانية (اللغة العربية) وهي تتلقى يوميا سهام التسقيط بوصفها لاتصلح للمواكبة والتحضر ، وسهام الاشتقاقات واختراع الألفاظ واستعمالها ما أنزل الله بها من سلطان .
وهذه الاختراعات تسكن منطقة نمو اللغة ، وهي ظاهرة خطيرة فقد تتحول إلى ألفاظ مستعملة تدور في الاستعمال .
وفي الواقع نحن مسؤولون عن ضعفها بين الناس . عن تهيب الطلاب من درسها نفورا .
عن شيوع اللحن . والظواهر المستكرهة في تنميتها في المجتمع  واستثني من اللوم من رحم ربي الذين  بذلوا الجهد فرادى .
  والمؤسف أننا في الوقت الذي نقصر فيه مع رعاية العربية ، نلمس حب الناس  وتعطشهم لسماع الشعر والأدب ، وهي حاجة فطرية لأن اللغة هي الذاكرة ، وهي الحاضر ، وهي من ينظم الفكر والنطق .
رحماك ربي وعفوك لما قصرنا بحق لغة القرآن .
نأمل أن يكون هذا الضعف والرجوع إلى الوراء هو النكوص الذي نستجمع به قوانا لنرتقي بطفرة نوعية باللغة العربية إلى أعلى المراتب .

شاهد أيضاً

اصدار كتاب جديد للدكتور علي خضير حجي

اصدار كتاب جديد للدكتور علي خضير حجي التدريسي في كلية التربية بجامعة الكوفة كلية التربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *