الرئيسية / الفعاليات العلمية / المنظومة القيميّة في المجتمع الإسلامي

المنظومة القيميّة في المجتمع الإسلامي

المنظومة القيميّة في المجتمع الإسلامي
–      النظام الاجتماعي العام (البيئة) -“4”
أ.م.د. محمد كاظم الفتلاوي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
حدثنا القرآن الكريم عن بديع نظام الله تعالى في آيات عديدة منها: Pوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَاO([1]), Pوَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَO([2]), Pوَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاO([3])… الخ.
وتماهياً مع النظام الكونيّ أرسى الإسلام دعائم النظام في حياة الانسان, فكانت وصيّة الامام علي_ لولديه الحسن والحسين _ : (أوصيكما وجميع ولدي, وأهلي, ومن بلغه كتابي بتقوى الله, ونَظْمِ أمركم)([4]).
ونَظْمُ الامر يبدأ من النظام الفرديّ, ويستمر في النظام الاجتماعيّ, وقد أكّد الاسلام على اهمية الامرين, فمن أمثلة ما دعت اليه الاحاديث في تنظيم امور الانسان فردا ما ورد عن الامام الكاظم _: (اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله, وساعة لأمر المعاش, وساعة لمعاشرة الاخوان الثقات الذي يعرِّفونكم عيوبكم, ويخلصون لكم في الباطن, وساعة تختلون فيها للذّاتكم في غير محرَّم)([5]) .
·        النظام العامّ
 أما دعوة الإسلام إلى النظام الاجتماعي,  فهي ما يظهر من خلال عناوين عديدة دعت إليها النصوص الإسلامية, نعرض منها:
1-  عدم الإضرار بالناس:
إن طبيعة الحياة الاجتماعية التي تتزاحم فيها مصالح الناس تقتضي أن تُسنَّ القوانين التي تهدف إلى تقديم المصلحة العامة لأغلب الناس كالتنظيم المدني, وقانون السير, والقوانين التي تضعها المؤسسات… الخ, وقد أرسى الإسلام المبدأ الأساس لهذه القوانين وهو عدم الإضرار بالآخرين, وهو ما أكدت عليه السُّنّة النبوية من خلال قول النبي n: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)([6]). فالشارع العام, مثلاً, مشترك بين جميع الناس, فلا يجوز الإضرار فيه بالمارَّة, كأن يوقف السائق سيارته بحيث يسبب ازدحاما في السير, وأن يرمي السائر فيه ما يؤذي المارَّة, فهذا مما قد حرّمته الشريعة الإسلامية, بل قد يوجب ذلك الضمان على فاعل الأذية, فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه سُئل عن الشيء يوضع على طريق المسلمين, فتمرّ الدابة, فتنفر بصاحبها, فتعقره, قال _: (كلُّ شيء يضر بطريق المسلمين, فصاحبه ضامن لما يصيبه)([7]).
فالإنسان الذي يركن سيارته في الشارع, ويتركها بحيث يؤدي ذلك إلى ازدحام فيه, يسبِّب جملة من الأضرار عليه أن يضعها نصب عينيه, وهي من قبيل:
1-   صرف الوقود الزائد من السيارات الأخرى بسبب سيارته الواقفة.
2-    تأخر بعض الناس عن أشغالهم أو مدارسهم أو جامعاتهم.
3-    إزعاج الناس بأصوات أبواق السيارات.
4-   أمراض قد تتضاعف بسبب ذلك الوقوف, كالمرتبط بأعصاب الإنسان.
5-   تبعات التدافع الذي قد يحدث بسبب ذلك.
في مقابل ما مر دعا الرسول الاكرم = الى فعل ما ينفع الناس في الطرقات العامة فعنه =: (دخل عبد الجنة بغصن من شوك كان على الطريق المسلمين فأماطه عنه)([8]). وعنه = انه قال: (مر عيسى بن مريم _ بقبر يعذب صاحبه, ثم مر به من قابل فاذا هو ليس يعذب فقال: يارب, مررت بهذا القبر عام اول وهو يعذب, ومررت به العام, وهو ليس يعذب, فأوحى الله جل جلاله اليه: يا روح الله قد ادرك له ولد صالح فأصلح طريقاً واوى يتيما فغفرت له بما عمل ابنه)([9]). وعنه n قوله: (من بنى على ظهر طريق مأوى لعابر سبيل بعثه الله على نجيب من در وجوهر, ووجهه يضيء لأهل الجمع نوراً)([10]).
2: النظافة العامة :
حثّ الإسلام على النظافة الشخصية والعامة ففي الحديث النبوي الشريف: )ان الله طيب يحب الطيب, نظيف يحب النظافة)([11]).
فالنظافة من القيم التي أكد عليها الإسلام معتبراً:
أ: انها من أخلاق الأنبياء ” ففي الحديث عن الإمام الرضا_ : (من أخلاق الأنبياء التنظّف)([12]).
ب: إنها من جنود العقل. ففي وصية الإمام الكاظم _ لهشام بن الحكم في مقام تعداد جند العقل )النظافة وضدها القذارة)([13]).
ج: أنها من أعمدة البنيان الإسلامي التي لها انعكاس في الآخرة, فعن الرسول الأكرم n: (تنظفوا بكل ما استطعتم: فان الله تعالى بنى الإسلام على النظافة ولن يدخل الجنة إلا كل نظيف)([14]).
·         نظافة البيوت :
بعد تأكيدها على النظافة الشخصية حثت الروايات الواردة عن النبي n وأهل بيته ” على أهمية الاعتناء بنظافة البيوت بنحو دقيق, وهذا ما نلاحظ في الأحاديث الآتية:
عن الرسول الأكرم n: (لا تبيتوا القمامة في بيوتكم, وأخرجوها نهاراً: فأنها مقعد الشيطان)([15]).
عن الإمام علي _: (نظفوا بيوتكم من حوك العنكبوت؛ فأن تركه في البيت يورث الفقر)([16]).
عن الإمام الباقر _: (كنس البيوت ينفي الفقر)([17]).
عن الإمام علي _: (لا تؤوا التراب خلف الباب)([18]).
·        نظافة الشوارع :
ذمت الروايات أولئك الذين يؤذون الناس بوضع القاذورات في الشوارع والطرقات العامة .ففي الحديث عن النبي الأكرم n: (من سل سخيمة([19])على طريق عامر من طريق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)([20]).
في حديث نبوي آخر قال n: (اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد والظل وقارعة الطريق)([21]).
وفي مقابل ذلك حثت الروايات على إزالة ما يؤذي المسلمين في الطرقات العامة ,فعن النبي n: (ان على كل مسلم في كل يوم صدقة, قيل: من يطيق ذلك؟ قال n: إماطتك الأذى عن الطريق صدقة)([22]).
3: جمال المنظر :
إضافة إلى النظافة دعا الإسلام إلى التجمل وإظهار الجمال على المستوى الفردي والاجتماعي, فعن الرسول الأكرم n: (ان الله جميل يحب الجمال)([23]). وعن الإمام الصادق _: (ان الله عز وجل يحب الجمال والتجمل)([24]).
4: حفظ الثروة النباتية وتنميتها :
وهذا ما أكدت عليه الأحاديث الشريفة التي منها:
عن الرسول الأكرم n: (ما من مسلم يغرس غرسا يأكل منه إنسان او دابة او طير إلا كانت له به صدقة)([25]).
ومن الواضح ان زرع الأشجار لا يقتصر على فائدة الأكل منها, بل ان فيها ما يصلح لكونه كالصدقة الجارية لما في ذلك من تنقية البيئة. لذا أطلقت بعض الروايات الدعوة الى الزرع والغرس, فعن الإمام الصادق _: (ازرعوا واغرسوا فلا والله ما عمل الناس عملاً احل, ولا أطيب منه)([26]).
وفي المقابل هناك نصوص تنهى عن قطع الأشجار المثمرة, فعن أبي عبد الله _: (لا تقطعوا الثمار (أي الأشجار المثمرة), فيصبّ الله عليكم العذاب صبًّا)([27]).
5: حفظ الثروة الحيوانية
دعا الإسلام إلى الاستفادة من الثروة الحيوانية رافضا جعلها للّهو والترف, فقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أيقصّر في صلاته أم يتمّ؟ فقال _: (إن خرج لقوته وقوت عياله, فليفطر وليقصِّر, وإن خرج لطلب الفضول, فلا ولا كرامة)([28]).
6: حفظ الثروة المائية
دعا الإسلام إلى عدم الإسراف في صرف المياه, فعن الإمام الصادق _: (أدنى الإسراف هراقة فضل الإناء)([29]).
  كلمة أخيرة: إن نظام المجتمع ينبع من احترام الإنسان للآخر, ومراعاته كمراعاة نفسه, ولعل من أروع ما يدل على هذه القيمة ما ورد عن الإمام علي _ بقوله: (اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك, فأحب لغيرك ما تحب لنفسك, واكره له ما تكره لها)([30]).
والحمد لله رب العالمين

([1]) سورة يس, الآية 38.
([2]) سورة يس, الاية39.
([3]) سورة الروم, الآية 24.
([4]) نهج البلاغة,  3/76.
([5]) الحرّاني, تحف العقول, ص409.
([6]) الحرّ العامليّ, وسائل الشيعة, 26/14.
([7]) الصدوق, من لا يحضره الفقيه, 4/155.
([8]) الصدوق, من لا يحضره الفقيه, 4/155.
([9]) الحرّ العامليّ, وسائل الشيعة,  16/338..
([10]) الحر العاملي, هداية الأمة الى احكام الائمة (ع)ط1.مشهد ,مجمع البحوث الإسلامية 1414هـ, 5/602.
([11]) الريشهري، ميزان الحكمة , 4/3302..
([12]) المصدر نفسه.
([13]) الصدوق، علل الشرائع, تحقيق: محمد صادق بحر العلوم, النجف الاشرف ,المكتبة الحيدرية، 1966, 1/115.
([14]) الريشهري, ميزان الحكمة,  4/3303.
([15]) الريشهري , ميزان الحكمة,  4/3303.
([16]) المصدر نفسه.
([17]) المصدر نفسه.
([18]) المصدر نفسه.
([19]) السخيمة: الغائط (ابن منظور, محمد, لسان العرب, 12/283.
([20]) الحاكم النيسابوري, المستدرك, 1/186..
([21]) المصدر نفسه
([22]) الريشهري, ميزان الحكمة, 2/1597.
([23]) الكليني, الكافي, 6/438.
([24]) المصدر نفسه.
([25]) البروجردي، جامع احاديث الشيعة، 18/431.
([26]) الكليني، الكافي، 5/260.
([27]) الحر العاملي، وسائل الشيعة، 19/39.
([28]) الكليني، الكافي، 5/260.
([29]) المصدر نفسه، 6/460.
([30]) نهج البلاغة, 3/45..

شاهد أيضاً

قبول نشر في المجلة اللبنانية

حصول التدريسية الدكتورة ايثار المياحي على قبول نشر في المجلة اللبنانية (وميض الفكر للبحوث) …….. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *