الرئيسية / الفعاليات العلمية / أخلاقيات التواصل مع الناس في المجتمع الإسلامي  “2”

أخلاقيات التواصل مع الناس في المجتمع الإسلامي  “2”

أخلاقيات التواصل مع الناس في المجتمع الإسلامي  “2”
أ.م.د. محمد كاظم الفتلاوي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
وقبل بيان أخلاقيات التواصل مع الناس، نرى من الضرورة بمكان بيان الفائدة الكبيرة والأهمية العظيمة، النابعة من التواصل، فهو الذي يجب أن تكون أولوية من أولويات كل إنسان؛ ذلك أن التواصل مع الآخرين يتمتع بالمزايا والفوائد الآتية:
·        يكتسب الفرد خبرة جيدة في الحياة ويعرف معادن الناس بشكل يمكِّنه من التعامل مع مستجدات الأمور التي تطرأ عليه خلال حياته. يمكّن الإنسان من خلال تواصله مع الناس أن يكوّن علاقات اجتماعية تكون سنداً له خلال مسيرته الحياتية.
·        يمكن للفرد أن يستشعر بحب الناس له، الأمر الذي يعطي للنفس طاقة عجيبة من نوعها تكون دافعاً له لإكمال طريقه والوصول إلى ما يطمح إليه.
·        يفيد في عملية تطوير شخصية الإنسان واكتساب مهارات التحدث والنقاش مع مختلف أصناف الناس.
·        مكسباً حقيقياً لكل من لديه فائض كبير من الإنسانية؛ فمعرفة أحوال الناس وكيف يقضون أوقاتهم وكيف يصمدون أمام ما يواجههم من تحديات يعطي الإنسان أملاً كبيراً، ودافعاً للعيش على الأقل لمساعدة المحتاجين منهم.
·        كفيل بأن يذهب الهم والغم عن الإنسان، حيث يجعل الإنسان يبدو بحالة أفضل خاصة إذا ما فرّغ ما بداخله، لكن لمن يثق بهم فقط وليس لأي شخص.
·        يهذب الإنسان ويكسبه الكياسة واللباقة في الحديث، ممّا يحبّب إليه الجميع، ويجعله مرغوباً ومحبوباً من كل من يراه.
·        يجعل الإنسان يقبل على الله أكثر، فالتواصل مع الناس وإجراء الحديث معهم، خاصة أولئك الذين حباهم الله تعالى بالعقول الجميلة القادرة على إدخال مفاهيم الجمال وحب الله تعالى قلوب من يحدثونهم.
·        يُوسِّع آفاق الإنسان، حيث يمكنه زيادة إبداعاته وتحسين تطلعاته وأشواقه، إذ إنّ التواصل بإمكانه أن يكسب الإنسان القدرة على التفكير بشكل أفضل وبالتالي الوصول إلى أفكار خلاقة ومبدعة تساعده على انتشال نفسه ومجتمعه وأمته مما أصابهم جميعاً من المشاكل.
بعد ان اتضحت الفوائد المرجوة من التواصل مع الناس، نقف على جملة من أخلاقيات التواصل معهم والتي أكدتها التعاليم الإسلامية وحثت المجتمع الإسلامي الى التحلي بها، والتي منها:
خدمة الناس: أكد النبي = أن مقدار حبّ الله تعالى للإنسان يحدّده عمله في نفع الناس الذي له مصاديق كثيرة, كتأمين لقمة عيش الفقير, وتعليم الجاهل, وإقراض المحتاج, وعلاج المريض, وتزويج العازب, وإعمار الطرقات, وبناء المدارس, … الخ, فعنه=: )الخلق كلهم عيال الله, فأحبهم الى الله عز وجل أنفعهم لعياله)([1]), وفي حديث آخر, سُئل الرسول الأكرم =: أي الناس أحب إلى الله؟ فقال=: )أنفع الناس للناس)([2]).
·     ثواب خدمة الناس: أكدت الاحاديث الشريفة على الثواب الجزيل الذي يقابل به الله تعالى في الاخرة من خدم الناس, وقضى حوائجهم, كقول الرسول الاكرم=: (من قضى حاجة لأخيه, كنت واقفاً عند ميزانه, فإن رجح, والا شفعت له)([3]), وقول الإمام الصادق_: (إن لله عباداً من خلقه, يفزع العباد اليهم في حوائجهم, أولئك هم الآمنون يوم القيامة)([4]), وقول الإمام الباقر_: (من مشى في حاجة لأخيه المسلم حتى يتمّها أثبت الله تعالى قدميه يوم تزل الأقدام)([5]).
ب: مداراة الناس: مر علينا فيما تقدم من هذا الكتاب موضوع المداراة ضمن “أسباب تقوية الروابط الاجتماعية” ونظراً لأهميتها في أخلاقيات التواصل مع الناس نذكرها هنا لمعرفة الشخصية الأخلاقية المطلوبة في التعامل مع الآخرين فنعرض عناوين خمسة تتوزع بين الناس أثناء تعاملهم مع الآخرين, وهي:
1-    الفظاظة: إن بعض الناس يتصفون بالغلاظة والشدة والفظاظة والخشونة في تعاملهم, بما يُسبِّب نفور الناس منهم, وقد بيّن الله تعالى سلبيّة هذا السلوك بقوله عز وجل: P..وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَO([6]).
مع الأخذ بنظر الاعتبار ان هذه الغلظة والفظاظة لم يمارسها رسول الله = مع خصومه والمعاندين له! فما بالك فيمن هم تحت ولايته ومحبيهّ فحريّ بنا نحن كمسلمين التأسي برسول الله = في تعاملنا مع مَن نختلف معهم بوجهات النظر أو ممن لنا معهم خصومة من غير فظاظة أو غلظة، إذ ان صفتي (الفظّ، والغلظة) وان كانتا (بمعنى واحد هو الخشونة، إلا أن الغالب استعمال الأولى في الخشونة الكلامية، واستعمال الثانية في الخشونة العملية والسلوكية، وبهذا يشير سبحانه الى ما كان يتحلى به الرسول الأعظم من لين ولطف تجاه المذنبين والجاهلين)([7]).
2-  المداهنة: وفي مقابل الفظاظة, نلاحظ أن بعض الناس يتصرفون مع الآخرين بمسايرة تصل إلى حد المداهنة التي أكدت بعض النصوص سلبيّتها, وسوء فاعلها, فعن الإمام علي _: (شرّ إخوانك من داهنك في نفسك, وساترك عيبك)([8]).
3-  التملّق: وما يشترك مع المداهنة في التعامل السلبي, هو التملق الذي عرّفه الإمام علي _ بقوله: (الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق)([9]), وقد وردت أحاديث عديدة في النهي عنه, فعن أمير المؤمنين _: (ليس من أخلاق المؤمن التملّق)([10]).
4-  الفطنة: المقصود منها الذكاء الحاد والنباهة الشديدة مقابل الغفلة, فالمغفّل في اللغة من لا فطنة له([11]).
ومن الواضح أن اتّصاف الإنسان بالفطنة أمر جيد ومستحسن, إنما الكلام في حُسن الفطنة في كل الأمور, فهل من الأفضل للإنسان أن يكون ذا فطنة ودقة ونباهة في جميع أنحاء علاقاته بالآخرين؟
من الواضح أن التعامل مع الآخرين بحدّة ودقة في جميع المجالات هو أمر متعب لكلا الطرفين, لذا وردت عن أئمة أهل البيت ” النصيحة بإعطاء هامش للتغافل, والتسامح في العلاقة بالناس, فعن الإمام الصادق _: (صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة, وثلثه تغافل(([12]).
إذًا الفطنة, وإن كانت قد تحصل من دون فظاظة, هي مقابل التملّق والمداهنة, إلا أن الإسلام وضع العناوين الأربعة في خانة السلب المطلق أو النسبي, حسب ما نلاحظ مما سبق, ودعا إلى عنوان خامس هو المداراة.
المداراة: إن المداراة المطلوبة في الإسلام هي المسايرة التي لا تتجاوز الحق, وإلا فإنها تتحول إلى المداهنة المبغوضة, وهذا ما أرشد إليه رسول الله=: )رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس في غير ترك حق(([13]), فإن وقفت عند حدود الحق كانت رأس العقل, وعنوانه, كما في الحديث الوارد عن أمير المؤمنين_: (عنوان العقل مداراة الناس)([14]).
خلفية المداراة: نلاحظ أن الإنسان عادةً يساير ويداري أهل بيته كأبيه وأمه وأولاده وإخوته بسبب القرب الخاص بينه وبينهم بحيث يتحمل أخطائهم في حين لا يتحملها ان صدرت عن غيرهم ويلين في التعامل معهم في الوقت ذاته الذي قد يقسو في التعامل مع الآخرين وتأتي ثقافة الإسلام لتربي المسلم على أن يتعامل مع المسلمين جميعاً كأنهم أهل بيته فيسايرهم ويداريهم كما يساير ويداري أقرباءه الرحميين فعن الإمام زين العابدين _: (أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك فأي هؤلاء تحب أن تظلم, وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه وأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره وان عرض لك إبليس لعنة الله, بأن لك فضلاً على احد من أهل القبلة فانظر إن كان اكبر منك فقل: سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني وان كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي في شك من أمره فما لي ادع يقيني لشكي …. فانك إن فعلت ذلك سهل الله عليك عيشك وكثر أصدقاءك وفرحت بما يكون من برهم ولم تأسف على ما يكون من جفائهم)([15]).
ج- حُسن الظنّ بالناس: من القيم النفسية التي دعا إليها الإسلام (حسن الظن) بالآخرين أي ترجيح الجانب الايجابي أو على الأقل غير السلبي فيما يفعله الناس مما قد يبدو سلبياً بحسب التحليل فعن الرسول الأكرم =: (احسنوا ظنكم بإخوانكم …)([16]).
ولتوضيح حسن الظن بالآخرين نعرض المثالين الآتيين:
1-   مرَّ أمامي احد زملائي في الجامعة بدون أن يلقي التحية علي, فيبدأ التحليل لماذا فعل ذلك؟ هل هو يتكبر علي؟ هل هو يبغضني؟ أو انه لم يلتفت إلي أثناء مروره؟ إن حسن الظن يقول لي: ابن انه لم يلتفت إليك فلعله شارد الذهن أثناء مروره نحوك.
2-     استدعاني مدير المؤسسة التي اعمل فيها ووبخني على بعض ما فعلته, مع العلم إني لم أكن وحدي, بل كان برفقتي زميل لي, فيبدأ التحليل: هل صاحبي هو الذي نقل ذلك إلى المدير, أو يمكن أن يكون عند المدير مصدر آخر؟ إن حسن الظن يقول لي: ابن على الاحتمال الثاني.
قد نجد في بعض الحالات صعوبة في تسويغ العمل ومع هذا فقد دعانا النبي = إلى التماس العذر له, والبحث عن محمل حسن لعمله فعن النبي =: (اطلب لأخيك عذراً فأن لم تجد له عذراً فالتمس له عذراً)([17]). وعن الإمام علي _: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً, وأنت تجد له في الخير محملاً)([18]).
ويمكن مقاربة هذا النوع من الأحاديث من خلال التأمل في أن المعلومة التي تلقيتها وما ينتج من موقف على أساسها تمر بقناة ذهنية نفسية تؤثر فيها خلفيات الإنسان وتوجهاته الداخلية التي لحياته الخاصة ولبيئته وثقافته اثر بارز فيها, فينعكس هذا الأمر على الموقف المتخذ.
·        حُسن الظن بين التعمية والموضوعية: قد يعتقد بعضهم أن حسن الظن بالناس فيه نوع سلبي من التعمية على الحقيقة فهل هذا الأمر صحيح؟
الجواب: نحن نسلّم أن حسن الظن فيه نوع من الإغماض، لكنه ايجابي في أمرين: الأول: انه قد يكون موضوعياً أكثر من سوء الظن. الثاني: انه من عوامل سكينة النفس واطمئنان القلب .
إما كونه مقارباً للموضوعية فلأنّ سوء الظن في كثير من الأحيان يكون ناتجاً من فهم خاطئ للموضوع كما في المثالين المتقدمين فقد يكون انشغال الإنسان ببعض همومه هو سبب عدم التفاته وإلقاء التحية وقد يكون للمدير مصدر معلومات غير ذلك الزميل. والاحتمال السلبي الأخر وان كان موجوداً فقد يكون مصدره تلك القناة الذهنية بين تلقي الخبر أو الحديث وبين فهمه .
أما كونه من عوامل اطمئنان القلب، فهو ما أشار إليه الرسول الأكرم = بقوله: (احسنوا ظنونكم بإخوانكم تغتنموا بها صفاء القلب ….)([19]). كما ورد عن الإمام علي _: (حُسن الظن راحة القلب)([20]).
·        حدود حُسن الظن: إن حسن الظن بالناس رغم ايجابياته الكثيرة. له حدود ينبغي الالتفات اليها منها:
1-   ان حسن الظنّ إنما هو عند الاحتمال في المقابل احتمال آخر وليس عند اليقين بالسوء, فقد يعلم الإنسان علم اليقين بشيء سلبي قام به الآخر, فهنا عليه أن يكون فطناً في ردة فعله ضمن الضوابط الشرعية, وقد عبر عن هذا المطلب أمير المؤمنين _ فيما ورد من قوله: (ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك)([21]).
2-     ان حسن الظنّ لا يعني التفريط في التعامل مع الآخرين بثقة مطلقة, فعن الإمام الصادق _: (لا تثقن بأخيك كل الثقة: فان صرعة الاسترسال لا تستقال)([22]).
كلمة أخيرة: إن أخلاقيات التي دعا إليها الإسلام في التعامل مع الناس تساهم في سكينة النفس واطمئنان القلب. وهما منشأ سعادة الإنسان كما تساهم في بناء مجتمع سليم يحب بعضه بعضاً كما أشار إليه الرسول الأكرم = بقوله: (حُسن الخُلق يثبت المودة)([23]).
والحمد لله رب العالمين

([1]) الحرّ العامليّ, وسائل الشيعة, 16/345..
([2]) الكلينيّ, الكافي, 2/164.
([3]) الطبرسيّ, مستدرك الوسائل, بيروت, مؤسسة آل البيت, 1987م, 12/405.
([4]) المصدر نفسه، 12/409.
([5]) المصدر نفسه.
([6]) سورة آل عمران, الآية 159.
([7]) ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، 2/497.
([8]) الواسطي, عيون الحكم والمواعظ, ص294.
([9]) نهج البلاغة, 4/81.
([10]) الطبرسي, مستدرك الوسائل, 8/467..
([11]) الفراهيدي, كتاب العين, تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي, ط2, قم, مؤسسة دار الهجرة, 1409هـ, 4/419.
([12]) الحراني, تحف العقول, ص359.
([13]) المصدر السابق, ص42..
([14]) الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص339 .
([15]) الطبرسي, الاحتجاج , تحقيق محمد الخرسان، النجف الاشرف، دار النعمان 1966م, 2/52..
([16]) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (ع)، .بيروت, الاعلمي ,1980م, ص173.
([17]) الصدوق، الخصال، ص622.
([18]) الكليني ,الكافي , 2/362.
([19]) مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق (ع), ص173.
([20]) الواسطي, عيون الحكم والمواعظ, ص229.
([21]) الكليني , الكافي , 2/362.
([22]) الحراني, تحف العقول , ص357.
([23]) المجلسي, بحار الانوار , 74/148.

شاهد أيضاً

قبول نشر في المجلة اللبنانية

حصول التدريسية الدكتورة ايثار المياحي على قبول نشر في المجلة اللبنانية (وميض الفكر للبحوث) …….. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *